أبي بكر جابر الجزائري

269

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

الْهُدى وهو بيان « 1 » طريق السعادة والنجاة بالإيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الكفر والشرك وسوء الأعمال وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ بعذاب الاستئصال والإبادة الشاملة ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ عذاب يوم القيامة معاينة « 2 » وهو معنى قوله تعالى : أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ « 3 » قُبُلًا وحينئذ لا ينفع الإيمان . وقوله تعالى : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي دعاة هداة يبشرون من آمن وعمل صالحا بالجنة وينذرون من كفر ، وعمل سوءا بالنار . فلم نرسلهم جبارين ولم نكلفهم بهداية الناس أجمعين ، لكن الذين كفروا يتعامون عن هذه الحقيقة ويجادلون بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ . وَاتَّخَذُوا آيات اللّه وحججه وَما أُنْذِرُوا به من العذاب اللازم لكفرهم وعنادهم اتخذوه سخرية وهزءا يهزءون به ويسخرون منه وبذلك أصبحوا من أظلم الناس . وهو ما قررته الآية ( 57 ) إذ قال تعالى فيها : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أي من الإجرام والشر والشرك . اللهم إنه لا أحد أظلم من هذا الإنسان الكافر العنيد . ثم ذكر تعالى سبب ظلم وإعراض ونسيان هؤلاء الظلمة المعرضين الناسين وهو أنه تعالى حسب سنته فيمن توغل في الشر والظلم والفساد يجعل على قلبه كنانا يحيطه به فيصبح لا يفقه شيئا . ويجعل في أذنيه ثقلا فلا يسمع الهدى . ولذا قال لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أي بعد ما جعل على قلوبهم من الأكنة وفي آذانهم من الوقر أَبَداً . وقوله تعالى : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا أي لو يؤاخذ هؤلاء الظلمة المعرضين لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ، ولكن مغفرته ورحمته تأبيان ذلك وإلا لعجل لهم العذاب فأهلكهم أمامكم وأنتم تنظرون . ولكن لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا « 4 » يئلون إليه ولا ملجأ يلجئون إليه . ويرجح أن يكون ذلك يوم بدر لأن السياق في الظلمة المعاندين المحرومين من هداية اللّه كأبي جهل وعقبة ابن أبي معيط والأخنس بن شريق ، هذا أولا . وثانيا قوله تعالى : وَتِلْكَ « 5 » الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا يريد أهل القرى من قوم هود وقوم صالح وقوم لوط .

--> ( 1 ) أي : بواسطة القرآن والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 2 ) أي : عيانا ، وفسّره بعضهم بعذاب السيف يوم بدر . ( 3 ) قراءة الجمهور : قبلا بكسر القاف أي : المقابل الظاهر ، وقرئ قُبُلًا بضم القاف والباء وهو جمع قبيل أي : يأتيهم العذاب أنواعا متعدّدة . ( 4 ) مَوْئِلًا : أي : منجى أو محيصا يقال : وأل يئل وألا ووؤلا أي : لجأ تقول العرب : لا وألت نفسه أي : لا نجت ومنه قول الشاعر : لا وألت نفسك خليتها * للعامريين ولم تكلم ( 5 ) تِلْكَ : مبتدأ و أَهْلَكْناهُمْ الخبر ، ويصح أن تكون تلك في محل نصب والعامل : أهلكنا نحو : زيدا ضربته .